فيلم «جانغو الحر».. سيرة الزنجي الذي عرف أمريكا أكثر!

طالع الخبر الاصلي من هنا

 

 فيلم «Django Unchained أو جانغو الحر»، الذي نتعرض اليوم له بالنقد والتحليل الفني، واحد من أكثر أفلام هوليود إثارة للجدل من نهاية عام 2012؛ فهو الفيلم الذي وُصف بالإبداع الدموي، والكذب في التعرض لحقائق تخص الولايات المتحدة.

كما لاحقت مخرج الفيلم، «كوانتين تارانتينو»، اتهامات بالحث على العنصرية من الطرفين البيض وأصحاب البشرة السمراء، ولم يشفع للمخرج المؤلف حصوله على «أوسكار» أحسن سيناريو عام 2013، بالإضافة لحصد بطل الفيلم المساعد جائزة أخرى في نفس الدورة.

إننا بالفعل اليوم أمام عمل سينمائي كالشجرة المورقة المزهرة في مستويي الشكل السينمائي من حركة الكاميرا والضوء والظل والمكياج والموسيقى التصويرية والمونتاج، والمضمون في القصة وتسلسلها.. وإن شابه أخطاء فنية في بنية السيناريو فستجد العين المتمرسة لها تبريرًا.

يقع فيلم «جانغو الحر» في قرابة 166 دقيقة من الإثارة والدماء المتطايرة بل المتفجرة أحيانًا من عدد من مناطق جسد نفس الجثة، حتى قيل عن «تارانتينو» إنه «المخرج الدموي» بجدارة.

وإن كان قيل عن فيلم «أبي فوق الشجرة» للراحلين «إحسان عبد القدوس» (قصة)، «عبد الحليم حافظ» (بطولة)، و«حسين كمال» (إخراج) أنه شهد مائة قبلة؛ ما أثار جدلًا عنيفًا في المجتمع المصري المقاوم والنابذ للإنحلال الخلقي، فإن فيلم اليوم شهد أكثر من مائة مرة لفظ «عنصرية»، حتى أن بطله «جانغو فريمان» أو (جيمي فوكس) طارده اللقب في مطعم في مدينة أوروبية ما استدعى تدخل الشرطة.

تحدي تحديد زمن الفيلم

الكلمة التي كتبت على الشاشة محددة زمن الفيلم بعام 1858 قبل عامين من الحرب الأهلية الأمريكية كانت الباب الذي تعرض المخرج المؤلف منه إلى بداية النقد والهجوم الشامل؛ إذ تم تكذيب ما اعتمده من وقائع ظلم تفوق الخيال لسمر البشرة المعروفين بالسود في فترة مهمة من تأسيس الولايات المتحدة، وهو ما قاد لاحقًا إلى الحرب الأهلية؛ وبالتالي «وثيقة تحرير العبيد» التي قادت إلى اغتيال الرئيس الأمريكي «لنكولن».

والمُدقق في قراءة الفيلم يعرف جيدًا أن هذه الكلمة كانت من أهم جمله على الإطلاق؛ إذ إن عمل «تارانتينو» «تانجو الحر» لا يفهمه المشاهد العادي كاملًا وقت عرضه، بكل ما يحتمله الفيلم من تفكيكية تجعل أحداثة تمر بسرعة مذهلة حاملة في طياتها عددًا من القصص المُركزة تسلم بعضها، حتى أن الفيلم يكاد يُقسم إلى جزئين مختلفين.

فالساعة الأولى من الفيلم تمهيدًا لأحداثه الحقيقية.. هذا مع كون المشاهد داخل الساعة الأولى وما سيليها عبارة عن إعادة ترتيب للواقع غير مقيد بالزمان.. ما يُقرب الفيلم من الأفلام الوثائقية إلى حد ما، لولا إبداع المخرج في تحدي المُشاهد عبر تكثيف الأحداث غير المرتبة في سياق واحد وإشعاره أن ما يتناوله من وقائع بالغة القسوة لم تحدث قبل أكثر من 150 عامًا؛ بل لكأنها تجري اليوم، لكن مع اختلاف في التفاصيل كما سنرى لاحقًا.

لا يلم المشاهد بالفيلم كاملًا وقت عرضه وإنما يستوعبه بعد ذلك.. إذ إن الفيلم يمثل قراءة واعية مدركة لأسباب الحرب الأهلية الأمريكية والدموية التي شهدته أحداثها.. لذلك عمد المخرج لتحديد وقت للفيلم مُبرزًا الظلم الذي وقع على سمر البشرة؛ ومحبة استغلال البيض لهم، وتفجر الجنوب الأمريكي العميق بالخلافات بين الفيدرالية والكونفدرالية.

الغرب المتوحش والإخراج المتوهج

الغرب المُتوحش الذي أباد قرابة 200 مليون من أهل أمريكا الحقيقيين لا من «الهنود الحمر» كما يدعي مُبرزًا ما أسماه ببطولات رعاة البقر، يكشف مخرج فيلم اليوم عنه اللثام، ويفضح قسوة وحيوانية أفعاله عبر ولاية تكساس، وتجارة العبيد وحشدهم بالعشرات بسلاسل الحديد في القدمين وأحيانًا في الرقبة وجلبهم خصيصًا من أفريقيا لخدمة (أسيادهم) البيض.. وهو ما عرف بسينما السود التي ازدهرت في هوليود بداية من التسعينيات.

في ليلة شاتية يبحث طبيب الأسنان «كينغ شولتز» أو (كريستوف والتز) عن عبد أسمر قادم من مزرعة ليدله على قاتل أبيض مطلوب للعدالة؛ ليجد العبد «جانغو فريمان» أو (جيمي فوكس)؛ ليكونا معًا فريقًا مصغرًا من «صائدي الجوائز» أو قتلة المطلوبين للعدالة من البيض وتقديم رؤوسهم للسلطان مقابل مكآفأت ثمينة.. في سياسة أقرب لقانون الغابة.

إذ يهرب الجاني عادة من ولاية شهدت إجرامه إلى أخرى تحت اسم جديد ليرتكب جنايات أخرى، ولا يملك القانون له سوى تفويض قتلة آخرين لقنص رقبته، حتى أن بدايات تعاون «جانغو» مع «شولتز» الألماني الأصل تكون عبر قتل قاتل سابق أمام ابنه الصغير، فلما يعتذر «جانغو»  عن عدم قدرته تنفيذ الأمر يبلغه الطبيب «شولتز» أنه يجب أن «يعيش الحالة».

وبعد قنص عدد من المجرمين خلال موسم الثلج ينطلق البطلان إلى مزرعة «كاندي» لتبدأ أحداث الفيلم الحقيقية؛ إذ إن عليهما جلب حبيبة «جانغو» من براثن استعباد «كالفين كاندي» (ليوناردو دي كابريو) لها.

ولا يستطيع العقل البشري بالفعل استيعاب أن «كاندي» لكي يسمر ويتسلى بعد العشاء يجعل زنجيين يتقاتلان حتى الموت؛ حتى أن أحدهما حينما يَعمى ولا يستطيع مواصلة النزال .. ويهرب .. يجعل «كاندي» الكلاب تأكل أحشاءه.

وحينما يرفض الألماني الأبيض «شولتز» المشهد.. يخبره الأسمر الأفريقي «جانغو»، هذه المرة، أنه حزن لأنه لم يعرف أمريكا على وجهها الحقيقي .. فصُدِمَ .. فيما عرف «جانغو» أمريكا جيدًا فبلع وتفهم الموقف!

والجملة الأخيرة واحدة من أروع الجمل التي قيلت في وصف الحضارة الأمريكية الغربية المفترسة؛ والتي بدلت «صراع الزنوج» الآن بغزو العراق .. وترك الحرب في سوريا، وتشجعيها للعدو الإسرائيلي على ابتلاع فلسطين؛ ودعم الانقلاب العسكري في مصر وهلم جرًا .. وفي النهاية ترفض دخول أفراد من دول أمعنت في ظلمها إلى ولاياتها ولو لفترة محددة.

ولكي يستعيد «جانغو» حبيبته «هيلدا برميلدا» أو (كيري واشنطن) الزنجية الألمانية الأصول من عنصرية «كاندي» كان عليه الادعاء بأنه تاجر رقيق مع «شولتز».. ولكن أمرهما يُفتضح بمعرفة الزنجي المسن البالغ من العمر 76 عامًا، «ستيفن» أو (صامويل جاكسون)؛ ليدفع «شولتز» حياته ثمنًا لتحديه الأعراف الأمريكية الإجرامية ومصادقة زنجي وقتله «كاندي»، ولينتقم «جانغو» من الجميع ويهرب بحبيبته في النهاية.

ومع مشهد النهاية وتفريغ المشاهد لطاقة الإحباط الداخلية بتفجير قصر «كاندي» كله بعد مقتله وأهله.. تنساب موسيقى الفيلم الاعتيادية في مثل هذه المشاهد المبشرة بالفرح.

إبداع إلا قليلًا

حوى الفيلم عناصر إبداعية للكاميرا كثيرة من دس مشاهد الزوم أو الكاميرا المقربة للمشاهد وسط الأحداث، للعناية الجيدة بالمكياج؛ لمحاولات سبر واكتشاف متاهات النفس البشرية في قسوتها وإنسانيتها عبر شخصية «شولتز» التي نال عنها (كريستوف والتز) جائزة «أوسكار» أفضل ممثل مساعد، مع القسوة المفرطة لـ«جانغو» حيال أمثاله من العبيد ليستطيع جلب حبيبته من خاطفها.. وهو المرض الذي يفشل في تبنيه حتى النهاية.

فيما جاء أداء «دي كابريو» في تجسيد شخصية «كاندي» مبهرًا غطى على أداء «جانغو» أو (جيمي فوكس)، الذي حمل الفيلم اسمه، بخاصة في تبرير عجرفته واستعباده السمر طبيًا بوجود مناطق في جماجمهم تدعوه لاستعبادهم.

أما أروع ما نجح الفيلم في سبر واكتشاف أغواره فشخصية «ستيفن» (صامويل جاكسون) .. الزنجي الذي يدخن في حضور الطاغية الأبيض «كاندي»، ويضع قدمه في حوارتهما المنفصلة في وجهه.. ويظلم آلاف الزنوج الذين ينتمي إليهم مقابل متعة سيده الشخصية!

فيلم «تانغو الحر» سباحة ماهرة في أعماق أصل المجتمع الأمريكي اليوم وعوامل تسلطه على العالم .. لولا كثرة مشاهد الدماء به وإن جاءت مبررة دراميًا!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s